تحوّلت عدة ولايات مكسيكية إلى ساحات فوضى وعنف مسلح، عقب الإعلان عن مقتل زعيم كارتل المخدرات الشهير نميسيو أوسجيرا، المعروف بلقب “إل مينشو”، في عملية عسكرية نفذتها القوات الحكومية داخل بلدة تابالبا بولاية خاليسكو.
وخلال ساعات من مقتله، اندلعت هجمات انتقامية واسعة النطاق نُسبت إلى عناصر من كارتل خاليسكو نيو جينيريشن، الذي كان يقوده أوسجيرا، في مشهد أعاد إلى الأذهان أكثر الفصول دموية في الحرب المكسيكية المستمرة منذ عقدين ضد عصابات المخدرات.
طرق مغلقة وحرائق تمتد عبر الولايات
أقدم مسلحون يُعتقد أنهم من أنصار الزعيم القتيل على إغلاق طرق سريعة رئيسية في أكثر من ست ولايات، وإضرام النيران في سيارات خاصة وشاحنات نقل ومحال تجارية، ما أدى إلى شلل مروري واسع النطاق وتعطيل حركة النقل البري.
وفي بعض المدن، دعت السلطات السكان والسياح إلى البقاء في منازلهم أو داخل الفنادق، بينما أوصت شركات النقل سائقي الشاحنات بسلوك طرق بديلة آمنة أو العودة إلى ساحات الانتظار حتى إشعار آخر، وسط مخاوف من استهداف الطرق السريعة بهجمات إضافية.
وامتدت أعمال العنف إلى ولايات أجواسكاليينتيس وكوليما، حيث أظهرت مقاطع مصورة انتشار آليات عسكرية في أحياء سكنية، وإقامة حواجز طرق مسلحة، فضلاً عن ظهور دبابة عسكرية تشق طريقها وسط مناطق مأهولة، في مؤشر على حجم الاستنفار الأمني.
شلل جوي في بويرتو فالارتا
في مدينة بويرتو فالارتا الساحلية، والتي تُعد من أبرز الوجهات السياحية على المحيط الهادئ، رصد سياح أعمدة دخان كثيفة تتصاعد في السماء جراء الحرائق. وألغت شركات طيران عدة رحلاتها إلى المدينة، من بينها إير كندا ويونايتد إيرلاينز، إضافة إلى شركة الخطوط الجوية المكسيكية، ما زاد من حالة القلق في القطاع السياحي.
وقال أحد المقيمين الأجانب في المدينة إنه لم يشهد من قبل هذا المستوى من التوتر في منطقة اعتادت الهدوء، معبّراً عن مخاوف من دخول البلاد مرحلة أكثر دموية عقب غياب الزعيم الذي كان يمسك بقبضة حديدية على تنظيمه.
هجوم على الحرس الوطني وتحذيرات رسمية
في ولاية خاليسكو، هاجم مسلحون قاعدة تابعة للحرس الوطني، فيما علّقت السلطات خدمات النقل العام في بعض المناطق، وطلبت من النزلاء البقاء داخل الفنادق. كما أُغلقت أجزاء من الطريق الرابط بين مكسيكو وبويبلا، أحد أكثر الطرق حيوية في البلاد.
وأقرّت رئيسة المكسيك كلاوديا شينبوم بوقوع أعمال العنف، لكنها أكدت أن الأنشطة تسير بصورة طبيعية في معظم أنحاء البلاد، في محاولة لطمأنة الرأي العام.
من جانبه، عبّر نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لانداو عن قلقه من مشاهد العنف، معتبراً أن ردود الفعل الانتقامية “ليست مستغربة” في سياق المواجهة مع العصابات المنظمة.
تهديدات بتصفيات داخلية
وفي تطور لافت، نقلت تقارير عن أحد عناصر الكارتل قوله إن الهجمات الحالية تمثل “المرحلة الأولى من الانتقام”، محذراً من احتمال اندلاع صراع داخلي بين أجنحة التنظيم للسيطرة على القيادة بعد مقتل أوسجيرا، ما قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من التصفيات الدموية داخل صفوف العصابة نفسها.
ويرى مراقبون أن غياب زعيم بحجم “إل مينشو” قد يؤدي إلى فراغ قيادي يعيد رسم خريطة النفوذ الإجرامي في غرب المكسيك، خاصة أن كارتل خاليسكو يُعد من أقوى التنظيمات الإجرامية وأكثرها تسليحاً وتنظيماً.
هل يمكن أن يتكرر سيناريو المكسيك في مصر؟
ما حدث في المكسيك يسلّط الضوء على مخاطر وجود شبكات قوة غير رسمية تمتلك القدرة على تعبئة مواردها وتنفيذ أعمال عنف انتقامية عند أي تغيّر في موازين القوى. فحين تفتقد الدولة إلى إدارة واضحة لهذه التوازنات، يصبح أي فراغ قيادي أو صراع مصالح بمثابة شرارة محتملة لفوضى كبيرة.
في مصر، يثار الحديث حول شخصيات نافذة مثل إبراهيم العرجاني، المرتبط باسم شركة “أبناء سيناء” ورئاسة “اتحاد القبائل العربية”، والذي يمتلك شبكة مصالح واسعة تشمل تجارة أسلحة ومخدرات وتسهيلات مالية من خارج البلاد، وكذلك صبري نخنوخ، المعروف بأسلوبه البلطجي ونفوذه في ملفات أمنية وشبكات محلية، في ظل هيمنة السلطة المركزية بقيادة عبد الفتاح السيسي.
التجربة المكسيكية تحذّر من أنه إذا ما تصادم نفوذ شخصيات مسلحة أو شبه مسلحة مثل العرجاني أو نخنوخ مع مصالح الدولة أو مع السلطة، فقد تنشأ موجة عنف صعبة السيطرة، حتى في بيئة مركزية وقوية.

